مشيت وسطهم بفتش بعيني على ملك، لحد ما لقيت الأستاذة فريدة وافقة مع مديرة المدرسة قدام لوحة معينة وبيتكلموا بذهول. أول ما شافتني الأستاذة فريدة، شاورتلي وبسمتها وسعت اتفضل يا سيادة اللواء.. اتفضل شوف اللوحة اللي أخدت المركز الأول على مستوى المنطقة كلها. قربت بخطوات هادية، وعيني وقعت على اللوحة.
اللوحة كانت مقسومة نصين بعناية شديدة من طفلة عندها سبع سنين. النص الشمال كان مضلم، مطر أسود نازل بغزارة، ورصيف طين، وفي الزاوية رسمة صغيرة لبنت هدومها مبلولة ومقطعة، ماسكة في إيدها نص رغيف عيش ملفوف في منديل ورقي.
والنص اليمين كان دافي، شمس طلعة ونور أصفر مالي المكان، نفس البنت لابسة زي المدرسة وماسكة إيد راجل بطول اللوحة لابس جاكيت كحلي وفي الإيد الثانية ولد صغير بيضحك. وتحت اللوحة، كانت مكتوبة جملة بخط إيدها الصغير والموجوج الرغيف اللي قسمته مع غريب تحت المطر.
. رجعلي بابا وأخويا وحياة. حسيت بغصة في حلقي والدموع اتجمعت في عيني للمرة الألف بسبب البنت دي. مديرة المدرسة قربت مني وقالت بصوت مليان احترام ملك لما اتسألت من لجنة التحكيم عن القصة اللي ورا اللوحة، قالت لهم بمنتهى الثبات بابا علمني إن العطاء مش باللي معاك، العطاء باللي في قلبك.
. وهو أداني قلبه وحياته كلها لما كنت مش لاقية مكان أنام فيه. في اللحظة دي، حسيت بإيد صغيرة بتشد طرف الجاكيت بتاعي. بصيت تحت، لقيت ملك واقفة جنب ياسين، لابسية زي المدرسة ونظيفين، وعينيها بتلمع ببريق نجاح وفخر. عجبتك اللوحة يا بابا؟
نزلت على ركبتي قدامها، وقولتلها بصوت مرتعش من التأثر اللوحة مش بس عجبتني يا ملك.. اللوحة دي هي أحلى حاجة ات رسمت في حياتي كلها.. إنتي اللي نورتي دنيتنا يا بنتي. ياسين ابتسم وشد اللوحة بإيده وقال بضحكة صافية وعلى فكرة يا بابا، هي وعدتني إن الجائزة اللي أخدتهاعلبة ألوان كبيرةهنتقاسمها أنا وهي النهاردة ونرسم بيها بيتنا الجديد.
وقفنا الثلاثة، ومسكت إيديهم الاثنين بين إيديا، ومشينا في ممر المدرسة وسط تصفيق الحاضرين. وأنا طالع لبرة والشمس دافية ومغطية المكان، رفعت رأسي للسما وشكرت ربنا.. شكرته إنه في أشد أوقات المحنة، بيبعت الرحمة في أضعف صورة، وعرفت إن كل وجع عشته في السنة اللي فاتت كان التمن اللي اندفع عشان أكتسب أغلى عيلة في الدنيا.
تمت حكايات انجى الخطيب


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.