أنا خالتك. يا احمد

نُشر منذ 3 أيام
حفظ
غلاف المقال

بنت صغيرة عندها سبع سنين، مش لاقية مكان تنام فيه، ظهرت قدامي وأنا واقف لوحدي تحت المطر في شارع من شوارع القاهرة، وفضلت تعيط وهي بتبصلي، وبعدها طلعت آخر حتة عيش كانت معاها ومدتهالي وقالتلي خد يا عمو، إنت شكلك جعان.

أنا كنت لواء في القوات المسلحة، وعدّى على خدمتي سنين طويلة، وشوفت مواقف أصعب من إن أي حد يتخيلها، وكنت طول عمري متعود إني أتماسك مهما حصل. بس في اللحظة دي، قدام بنت صغيرة جعانة وهدومها مبلولة، حسيت إني أنا اللي مش قادر أتماسك.

ولما البنت دخلت إيدها تحت البلوفر المبلول وطلعت صورة صغيرة مخبياها، حسيت الدنيا كلها وقفت. الصورة كان فيها ابني. ابني اللي اختفى من حياتي من سنة كاملة. والأغرب من كده، إن البنت بصتلي وقالت بصوت واطي أنا شوفته امبارح.

اسمي اللواء سامح رشدي، عندي تلاتة وأربعين سنة، قضيت معظم عمري في الجيش، وكنت معروف بين اللي حواليا إني راجل هادي، ومهما الدنيا اتقلبت حواليا عمري ما بفقد أعصابي. بس كل ده ماقدرش يرجعلي ابني. من سنة بالظبط، مراتي السابقة اختفت بابني ياسين من غير ما تقول كلمة.

لا سلام، ولا تفسير، ولا حتى مكالمة تطمني عليه. في الأول افتكرت إنها مجرد مشكلة وهتخلص، لكن الأيام عدت، والأسبوع ورا الأسبوع، لحد ما بقى شهر، وبعدين ست شهور، وبعدها سنة كاملة. طول السنة دي وأنا بدور عليه بكل طريقة أقدر عليها.

محامين، محاضر، بلاغات، بحث وتحريات، مكالمات مبتردش عليها، ومواعيد كانت بتتحدد عشان أشوف ابني وبعدين تتلغي في آخر لحظة. كنت كل مرة أقول لنفسي المرة الجاية هلاقيه. لكن مفيش حاجة حصلت. ولا أثر. ولا خبر. ولا حتى صورة جديدة أعرف منها ابني بقى عامل إزاي.

وفي يوم من أيام نوفمبر، كان الجو بارد والمطر نازل بغزارة، عدّت سنة كاملة على آخر مرة شيلت فيها ابني بين إيديا. كنت راجع من مشوار رسمي، لكن بدل ما أرجع على طول، نزلت من العربية وطلبت من السواق يسيبني شوية.

قفلت موبايلي بعد ما لقيته بيرن من غير توقف، ومشيت لوحدي لحد ما وقفت تحت عمود نور قديم في شارع جانبي. المطر كان بينزل على هدومي، والبرد داخل في جسمي، لكني ماكنتش حاسس بأي حاجة. ولأول مرة من سنين، سمحت لنفسي أعيط.

وفجأة سمعت صوت صغير ورايا. يا عمو؟ لفيت بسرعة. كانت فيه بنت صغيرة واقفة على بعد كام خطوة مني. ممكن يكون عندها سبع سنين بالكتير. لابسة بلوفر أكبر من مقاسها، هدومها مبلولة ومترش عليها طين، وشعرها معمول ضفيرتين بايظين من كتر المطر.

وشها كان متسخ، وعينيها مليانة خوف وحذر. بصتلي شوية، وبعدين قالت إنت بتعيط عشان جعان؟ ماعرفتش أرد عليها. البنت مدت إيدها تحت البلوفر وطلعت منديل ورق قديم ملفوف جواه نص رغيف عيش صغير. ومدتهولي. خده. بصيت للرغيف وبعدين بصيتلها. وقلتلها وإنتي هتاكلي إيه؟ هزت كتفها وقالت أنا أكلت حتة.

وفي اللحظة دي بالذات، بطنها قرقرت بصوت واضح. البنت بصت في الأرض بسرعة، كأنها اتكسفت إن بطنها فضحتها. قلتلها إنتي جعانة. قالت بسرعة لأ، أنا كويسة. قربت منها وقلت لأ يا حبيبتي، إنتي مش كويسة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
sm

sahr mohamed ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
36مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

حكايات زهرة 1 روايات

حكايات زهرة 1

بعد ست شهور من وفـ,ـاة ابني صاحبه اداني جواب وقالي وصليه لمراته ،ولما روحت اوصله اتصدمت ان…

sahr mohamed 0.0 6 دقائق
ابني عنده فيرس1 روايات

ابني عنده فيرس1

ابني عنده فيروس نقص المناعه ومينفعش يتجوز بيه واكتشفناه قبل فرحه بايام، انا قولتله يكمل وم…

sahr mohamed 0.0 5 دقائق
أنا عروسه جديدة 1 روايات

أنا عروسه جديدة 1

أنا عروسة حكايات رومانى مكرم 1 أنا عروسة جديدة ولسه مكملتش 5 شهور جواز. امبارح سلفى كان بر…

sahr mohamed 0.0 11 دقائق