ياسين؟ الصوت خرج مني مخنوق، مش صوت ظابط ولا لواء، صوت أب مكسور بينادي روحه اللي غايبة عنه بقالها سنة. الولد تحرك بسرعة، قام وقعد، عينيه لمعت في الضلمة.. نفس العينين الصافية اللي حافظها عن ظهر قلب. بابا؟ جريت عليه وضمنته لصدري بقوة هزت كياني كله.
الدموع نزلت مغرقة وشه وشعره، وهو كان ماسك في رقبتي بكل قوته وبيصرخ ويدفن وشه في صدري عارف إنك هتيجي يا بابا.. عارف إنك مش هتسيبني! شيلته وما فارقتوش لحظة، وطلعت بيه لبرة. محمود كان جه ورانا ومعاه قوة الشرطة اللي بلغها، والقبض تم على المكان بالكامل.
في العربية، ياسين كان ماسك في إيدي ومبتسم وهو مش مصدق، وملك قاعد جنبنا بتتفرج علينا بابتسامة خجولة ودموع في عينيها. بصيت لملك، ومديت إيدي الثانية وشديتها مع ياسين، وقلت بصوت حاسم ودفيء من النهاردة يا ملك.
. إنتي وياسين إخوات.. وعمر ما حد فيكم هيجوع أو ينام في المطر تاني. عدت الأيام بسرعة كأنها حلم. بيتي اللي كان فاضي ومظلم طول السنة اللي فاتت، رجعت فيه الروح من جديد. ضحكة ياسين وهي بتملى الممرات، وصوت ملك وهي بتتحرك بخجل في الأول، لحد ما بدأت تحس إن المكان ده بيتها فعلاً.
أخدت إجازة مفتوحة من الخدمة، وكرست كل وقتي عشان أعوضهم عن كل لحظة خوف ووجع عاشوها. أول حاجة عملتها إني بدأت إجراءات كفالة ملك رسمياً، وبقت بنتي قدام القانون والدنيا كلها. ياسين وملك بقوا أقرب لبعض من أي إخوات، هي تهتم بيه وتفكر بوعي الطفلة اللي شافتها القسوة، وهو يعلمها اللعب ويرجع لها طفولتها اللي اتسرقت منها.
وفي يوم دافي من أيام الربيع، كنا قاعدين في جنينة البيت. الشمس كانت طالعة ومغطية المكان بالنور، وياسين وملك بيلعبوا وبيجروا ورا الكورة. كنت قاعد بتابعهم من بعيد وبشرب القهوة، وحاسس بسلام عمري ما حسيت بيه قبل كده.
فجأة ملك سابت الكورة وجت جرت عليا، قعدت جنب الكرسي وبصتلي بعيونها الصافية، وقالت عمو سامح؟ ابتسمت ونزلت لمستواها يا عيون عمو سامح.. فيه إيه؟ طلعت من جيبها منديل ورق قديم، هو نفس المنديل اللي كانت لفالي فيه نص رغيف العيش أول يوم اتلقينا فيه تحت المطر.
مدتلي المنديل وقالت بصوت هادي ومبتسم أنا شلت ده عشان يفكرني دايماً إن ربنا بيبعت العوض في أصعب الأوقات.. وإن نص الرغيف ده هو اللي جابلي أحسن بابا في الدنيا. دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة.
ضميت ملك وياسين لصدري بقوة، وعرفت إن الرحلة القاسية دي كلها كانت عشان نتقابل، ونبقى عيلة واحدة متماسكة مش هيقدر أي ظرف يفرقها تاني. مرت الشهور، وكان لازم أبدأ أخد خطوات حقيقية عشان أرجع لملك حقها في الحياة، حقها اللي اتسرق منها في الشارع.
الوراق الرسمية أخدت وقت ومجهود كبير، بس مع كل ورقة كانت بتخلص وكل ختم كان بيتبصم، كنت بحس إن حتة من الضلمة بتتشال من حياتنا. اليوم اللي طلعت فيه شهادة الميلاد الجديدة، وجمب اسمها اتكتب اسمي.. ملك سامح رشدي، مسكت الورقة وأنا إيدي بتميل من التأثر.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.