ناديت عليها في الصالة، وجت بتجري وهي ماسكة ألوانها نعم يا بابا؟ نزلت لقامتها ومديتلها الورقة وقلتلها من النهاردة يا ملك، إنتي رسمي بنتي.. اسمك بقى زي اسم ياسين بالظبط، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تبعدك عننا تاني.
البنت بصت في الورقة، رغم إنها ماكانتش بتعرف تقرأ كل الكلام، بس لقطت اسمي مكتوب جنب اسمها. ودموعها بلت كتفي، وقالت بصوت مخنوق يعني أنا بقى ليا عيلة بجد؟ مش هبقى لوحدي تاني؟ عمرك ما هتكوني لوحدك تاني يا ملك.
مع بداية السنة الدراسية الجديدة، نزلت معاهم نشتري هدوم المدرسة والشنتات. كان منظر ملك وهي بتختار شنطتها وردي عليها رسمة أطفال حاجة تحرك الحجر. كانت بتلمس الشنطة بحذر شديد كأنها خايفة تكون بتحلم والشنطة تختفي من إيدها. وياسين واقف جنبها بيساعدها ويختار معاها الأقلام والكشاكيل ويفهمها دي بتتعمل بإيه.
في أول يوم مدرسة، صحيت من الصبح بدري قبلهم كلهم. حضرت الفطار، ورتبت هدومهم، ووقفت أستناهم ينزلوا. لما طلعوا من أوضهم وهما لابسين زي المدرسة، حسيت بقلبي بيدق بنفس القوة اللي كانت بتديليه في أرض الخدمة، بس المرة دي دقات فرح وشغف بالحياة.
مسكت إيد ملك باليمين وإيد ياسين بالشمال، ومشينا في الشارع. المطر كان بيطش خفيف على وشنا، نفس المطر اللي جمعنا من كام شهر في الشارع الضيق، بس المرة دي ماكانش فيه برد ولا خوف ولا جوع. وقفت قدام باب المدرسة، ونزلت لمستواهم.
مسكت وش ملك بين إيديا وقلتلها أنا فخور بيكي يا ملك.. اتعلمي وكبري وافتكري دايماً إنك أقوى طفلة في الدنيا. بصتلي وهي بتبتسم ابتسامة صافية طالعة من قلبها، وقالتلي بوعي أكبر من سنها عارف يا بابا؟ المطر زمان كان بيخوفني عشان كان معناه إني هبات مبلولة وبردانة.
. بس دلوقتي لما بيزل المطر، بفتكر إن ربنا نزل معاه الرحمة والفرج يوم ما قابلتك. سابت إيدي وجرت هي وياسين من باب المدرسة وهما بيتلفتوا ويشورولي. وقفت أتابعهم بعيني لحد ما اختفوا وسط الأطفال، وأنا واقف تحت المطر اللي بطل يخوفني، وعرفت إن الحياة مهما قسيت ودلفت في الضلمة، بييجي وقت وربنا بيبعت شعاع نور يغير كل حاجة.
. ونوري أنا، كان طفلة صغيرة بتقدم نص رغيف في شارع قاهري بارد. مرت الأسابيع والشهور كأنها لحظات خطفها الزمان من وسط السنين القاسية. البيت اللي كان في يوم من الأيام مجرد جدران باردة وصمت يخنق، بقى مليان بحركة وضحك ودوشة أطفال، دوشة كانت بالنسبة لي أحلى موسيقى أسمعها في حياتي.
وفي يوم، وأنا قاعد في مكتبي بالبيت براجع بعض الأوراق، رن موبايلي. كانت مدرسة ملك. قلبي انقبض في الأول تلقائياً بحكم الخوف القديم، ردّيت بسرعة ألو.. أستاذة فريدة؟ خير؟ ملك فيها حاجة؟ جالي صوت المدرسة هادي ومبتسم لا يا سيادة اللواء، متقلقش خالص.
. كل الخير. أنا بس كنت حابة أطلب من حضرتك تشرفنا في المدرسة النهاردة ساعة المعرض الفني السنوي للأطفال.. فيه حاجة متميزة جداً ولازم حضرتك تشوفها بنفسك. اتنفست ببراح وقلت لها ساعة وأكون عندكم. غيرت هدومي ونزلت بسرعة.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.