.” — “خالتها ممكن تاخدها تربيها..” — “هو أكيد هيحب يبدأ حياته من جديد..” ليلة العزا، اتكومت تحت ترابيزة المطبخ وضمت ركبتي لصدري. عم عصام لقاني هناك قبل الفجر بشوية. من غير ما يسألني بتستخباي ليه، قعد على الأرض جنبي تحت الترابيزة. — ” أنت ماشي وتسيبني؟
” همست له. وشه اتغير كأنه اتضرب بالقلم: “لأ.” — “كل الناس بتمشي وبتسيبني.” — “أنا مش همشي.” — “بتوعدني؟” عم عصام مد إيده تحت الترابيزة وطلع صباعه الصغير: “بوعدك.” وفضل قد الوعد دا. بعد سنين، عم عصام كان الراجل اللي مسك إيدي ومشي بيا في زفتي وسلمني لجوزي.
ولما بنتي اتولدت وفي سبوعها، كان واقف جنبي وشايلها بإيديه بالراحة كأنه خايف تقع مني مع إني كان عندي 32 سنة. كل ما كنت بسأله عن حياته قبل ما يتعرف على أمي، كان جوابه دايماً واحد: “الحاجة الوحيدة المهمة في حياتي بدأت لما ظهرتِ إنتي يا حبيبتي.
” كنت دايماً بفهم كلامه دا على إنه حب صريح.. عمر ما جه في بالي إن الكلام دا كان بيخبّي وراه سر كبير. صحة عم عصام بدأت تتدهور بسرعة بعد ما عدى الـ 78. في الأول كان بيهمد بسرعة، بعدين بدأ يخس، وبعدها دخلنا في دوامة التحاليل والأشعة والدكاترة اللي بيتكلموا بحذر لما يبقوا عارفين النتيجة المسبقة.
في أخر أسبوع ليه، كنت بنام على الكرسي الجلد جنب سريره في المستشفى. أي تغيير في صوت نَفَسه كان بيصحيني. حفظت كل صوت بتطلعه الأجهزة اللي حواليه. في أخر ليلة، الدكتور طلبني برة الأوضة: “يا رانيا.. هي مسألة ساعات مش أكثر.
” هزيت رأسي لأني كنت عارفة إني لو اتكلمت هعيط وانهار. لما رجعت الأوضة، عم عصام كان باين عليه نايم. قعدت على الكرسي وحطيت إيدي تحت إيده. وفجأة من غير مقدمات، صوابعه اتشدت على معصمي! بجامد! — “اوعديني تسمعيني للأخر قبل ما تكرهيني.
.” اتسمرت مكانتي: “أنا عمر ما أقدر أكرهك يا بابا!” إيده كانت تلج في إيدي: — “أنا كدبت عليكِ طول حياتك.. كل حاجة مصدقاها عن طفولتك، وعن أنا أبقى مين بالظبط.. مش كاملة!” ضربات قلبي زادت: “بابا أنت بتقول إيه؟
” — “أنا محتاجك تعرفي الحقيقة قبل ما أموت، مع إنهم اتترجوني آخد السر دا معايا للتربة!” الأسئلة كانت بتطاردني في دماغي أسرع من إني أقدر أستوعبها: هل أبويا الحقيقي لسه عايش؟ هل كان بيخبّي عني جوابات؟
هل كان عنده عيلة ثانية؟ هل في فصل كامل من حياته أنا معرفش عنه حاجة؟ بصوابع بتترعش، عم عصام مد إيده تحت البطانية وطلع ورقة مكسرة ومطوية، وزقها في إيدي: — “روحي العنوان دا.. دلوقتي!” — “مش هقدر أسيبك وأمشي!” — “لازم تروحي.
.” الدموع نزلت من عينيه وتاهت في دقنه الشايبة، “عشان خاطري يا رانيا..” بقاله سنين مناهانيش بـ “رانيا” بالنبرة دي من وأنا صغيرة. قربت منه أكتر: “قولي أنت طيب!” غمض عينيه وقال: “في حقايق لازم تسمعيها بصوت تاني.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.