يمكن لأول مرة في حياتها فهمت إن رعاية الإنسان مش معناها استغلاله. أما أنا، فرجعت لشغلي. وبدأت أشتغل في رعاية كبار السن، لكن المرة دي بمقابل محترم، وبشروط أنا اللي بحطها. وفي يوم، وأنا قاعدة مع واحدة ست كبيرة بقرأ لها كتاب، افتكرت عم جابر.
افتكرت جملته مريم أنا كنت سامع كل حاجة. وفهمت وقتها إن أكبر درس في الحكاية كلها ما كانش عن الفلوس. كان عن الناس اللي بيستضعفوا شخص لمجرد إنه مش قادر يرد. بيفتكروا إن السكوت معناه غياب. وإن العجز معناه إن صاحبه ما بقاش فاهم. لكن عم جابر علّمهم العكس.
كان ساكت بس كان بيسمع. وكان عاجز عن الحركة بس كان واعي. وكان ظاهر إنه خسر السيطرة على حياته بينما في الحقيقة كان بيجهز بهدوء عشان يستردها. أما الملف الأحمر؟ فضل عنده. مش كدليل على فلوس ضاعت. ولا كذكرى لخيانة ابنه.
لكن كدليل على ست شهور كاملة الناس فيها كشفت حقيقتها بنفسها. وفي آخر مرة زرته، سألته هو إنت من أول يوم كنت عارف إن كل ده هيحصل؟ ضحك وقال لأ. أمال كنت عامل إيه؟ بص لي وقال كنت مستني أعرف مين فيهم هيعاملني كإنسان ومين هيعاملني كإن الفلوس أهم مني.
سكت شوية. وبعدين ابتسم ولقيت الإجابة. قلت وإيه الإجابة؟ بص لي وقال إنتِ. وساعتها عرفت إن أوقات أكبر مكافأة ممكن ياخدها الإنسان مش فلوس ولا بيت ولا ورث إنما إنه يعرف، في أصعب وقت في حياته، إن فيه حد واحد على الأقل ما باعش قلبه مقابل مصلحته.
وده كان آخر فصل في حكاية الملف الأحمر. أما حسام وسعاد، فقد خسروا جزءًا كبيرًا من المال اللي كانوا فاكرين إنه مضمون، والأهم إنهم خسروا ثقة عم جابر فيهم. لكن عم جابر ما انتقمش منهم. هو بس خلّاهم يتحملوا نتيجة اختياراتهم. وأنا؟
أنا خرجت من البيت من غير ميراث، ومن غير فلوس، ومن غير حتى ما أخد حاجة تخصني. لكن خرجت بحاجة أهم بكتير خرجت وأنا عارفة إن قيمتي مش بتتحدد بمدى احتياج الناس لخدمتي وإن الإنسان اللي بيحترمك وإنتِ في أضعف حالاته هو اللي يستاهل وجودك في أقوى حالاتك.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.