جوزي كان كل ما يشوفني قاعدة جنب سرير أبوه وبقرأ له، يضحك ويقول إنتِ لسه بتقري له؟! يا ستي بطّلي تضيعي وقتك الراجل خلاص لا بيسمع ولا بيفهم! وأمه كانت تضحك وراه، وهي داخلة بأكياس هدوم وحاجات جديدة من المول.
ست شهور كاملة وأنا اللي كنت قاعدة جنب سرير حمايا، برعاه يوم ورا يوم، في الوقت اللي جوزي وأمه كانوا بيصرفوا فلوسه كأنها فلوسهم. لكن في ليلة، حصلت حاجة محدش كان متوقعها. الراجل العجوز فتح عينه لأول مرة من شهور، وبص لي، وقال لي تمن كلمات قلبوا حياتنا كلنا.
وتاني يوم الصبح، حطيت ملف أحمر على ترابيزة السفرة وأول ما جوزي شافه، وشّه اتقلب أبيض كأنه شاف عفريت. الجزء الأول إنتِ لسه بتقري له يا مريم؟ قالها جوزي حسام وهو واقف على باب الأوضة، وبص لأبوه الراقد على السرير، وبعدها ضحك بسخرية يا بنتي كفاية بقى ده الراجل خلاص!
ده لا بيسمعك ولا حاسس بالدنيا حواليه. إنتِ بتكلمي نفسك! وأمه سعاد كانت واقفة وراه، بتضحك وهي بتطلع من الأكياس هدوم وحاجات جديدة كانت لسه شاريها. بصيت لها، وبعدين بصيت لحسام، وما رديتش. لأني كنت عارفة حاجة هما الاتنين مش فاهمينها إن الإنسان ممكن يكون عاجز عن الكلام والحركة، من غير ما يكون فاقد السمع أو الوعي.
بقالى ست شهور، كل يوم تقريبًا، كنت بقعد جنب سرير حمايا عم جابر في بيتهم في منطقة هادية في المنصورة. كنت بغسله، وأغيّر له هدومه، وأقلبه كل شوية عشان جسمه ما يتجرحش من القعدة، وأرطّب شفايفه، وأفضل جنبه بالساعات. وكان أكتر حاجة بحاول أعملها عشانه إني أقرأ له.
عم جابر كان بيحب الروايات القديمة جدًا، خصوصًا الحكايات اللي فيها مغامرات وصعيديّة وجدعنة وانتقام، فكنت كل يوم أقرأ له كام صفحة قبل ما أنام. هو كان أصيب بجلطة قوية جدًا، والدكاترة قالوا إن حالته ممكن تستمر فترة طويلة من غير ما يستجيب لأي حد.
لكنهم قالوا لنا كمان حاجة أنا كنت عارفاها بحكم شغلي القديم في رعاية المرضى ممنوع أبدًا نفترض إن الشخص مش سامع لمجرد إنه مش قادر يتكلم أو يتحرك. لكن جوزي وأمه ما كانوش شايفين عم جابر بالطريقة دي. بالنسبة لهم أبوه خلاص مفيش منه فايدة.
والأغرب إنهم بدأوا يتعاملوا مع فلوسه بنفس الطريقة. كأن الراجل طالما بقى عاجز، يبقى فلوسه كمان بقت سايبة. عم جابر كان موظف حكومي طول عمره، واشتغل أكتر من أربعين سنة في المحكمة. كان راجل دقيق جدًا، بيحتفظ بكل إيصال، وكل ورقة، وكل تاريخ.
ولو قلت له إنك قلت له حاجة من عشر سنين، ممكن يفكّرك بالساعة اللي قلتها فيها! عمره ما كان غني، لكن كان راجل مدبّر. بيته ملكه، وعنده مبلغ محترم محوّشه، ومعاه شوية استثمارات، ومعاش كويس يقدر يعيش منه مرتاح.
بعد الجلطة، أمه سعاد بدأت تتحكم في جزء من حساباته، لأنها كانت معاها توكيل قديم كان عم جابر عامله لمراته تحسبًا لأي ظرف. في البداية، قالت إن الفلوس كلها هتتصرف على علاجه ورعايته. لكن بعد فترة بدأت الفلوس تختفي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.